الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
261
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
إذا أقدم عليه فأخفق كأنّ نفسه لما شجعته على اقتحامه قد قالت له : إنك تطيقه فتعرّض له ولا تبال به فإنك مذلّله فإذا تبين له عجزه فكأنّ نفسه أخبرته بما لا يكون فقد كذبته ، كما يقال : كذبته عينه إذا تخيّل مرئيا ولم يكن . والمعنى : إذا وقعت القيامة تحقق منكروها ذلك فأقلعوا عن اعتقادهم أنها لا تقع وعلموا أنهم ضلّوا في استدلالهم وهذا وعيد بتحذير المنكرين للقيامة من خزي الخيبة وسفاهة الرأي بين أهل الحشر . وإطلاق وصف الكذب في جميع هذا استعارة بتشبيه السبب للفعل غير المثمر بالمخبر بحديث كذب أو تشبيه التسبب بالقول قال أبو علي الفارسي : الكذب ضرب من القول فكما جاز أن يتسع في القول في غير نطق نحو قول أبي النجم : قد قالت الأنساع للبطن الحق « 1 » جاز في الكذب أن يجعل في غير نطق نحو : بأن كذب القراطف والقروف « 2 » واللام في لِوَقْعَتِها لام التوقيت نحو أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ [ الإسراء : 78 ] وقوله تعالى : فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [ الطلاق : 1 ] . وقولهم : كتبته لكذا من شهر كذا ، وهي بمعنى ( عند ) وأصلها لام الاختصاص شاع استعمالها في اختصاص الموقّت بوقته كقوله تعالى : وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا [ الأعراف : 143 ] . وهو توسع في معنى الاختصاص بحيث تنوسي أصل المعنى . وفي الحديث سئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أي الأعمال أفضل فقال : الصلاة لوقتها » . وهذا الاستعمال غير الاستعمال الذي في قوله تعالى : لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ [ الغاشية : 6 ] . [ 3 ] [ سورة الواقعة ( 56 ) : آية 3 ] خافِضَةٌ رافِعَةٌ ( 3 )
--> ( 1 ) تمامه : قدما فآضت كالفنيق المحنق . النسع : حزام يشد على بطن الدابة . ( 2 ) أوله : وذبيانية وصت بنيها . وهو معقّر بن حمار البارقي . والقرف : الأديم . والقرطفة : القطيفة المخملة .